عثمان بن جني ( ابن جني )
318
الخصائص
العاطفة ، فلا يؤتى بعدها بما لا شبيه له في جواز العطف عليه قبلها . ومن ذلك قولهم في جمع تمرة ، وبسرة ، ونحو ذلك : تمرات ، وبسرات ، فكرهوا إقرار التاء ، تناكرا لاجتماع علامتي تأنيث في لفظ اسم واحد ، فحذفت وهي في النيّة [ مرادة البتّة ] لا لشيء إلا لإصلاح اللفظ ؛ لأنها في المعنى مقدّرة منويّة لا غير ، ألا تراك إذا قلت ( تمرات ) لم يعترض شكّ في أن الواحدة منها تمرة ، وهذا واضح . ( والعناية ) إذا في الحذف إنما هي بإصلاح اللفظ ؛ إذ المعنى ناطق بالتاء مقتض لها ، حاكم بموضعها . ومن ذلك قولهم : إنّ زيدا لقائم ، فهذه لام الابتداء ، وموضعها أوّل الجملة وصدرها ، لا آخرها وعجزها ؛ فتقديرها أوّل : لإنّ زيدا منطلق ، فلمّا كره تلاقى حرفين لمعنى واحد - وهو التوكيد - أخّرت اللام إلى الخبر فصارت إنّ زيدا لمنطلق . فإن قيل : هلا أخّرت ( إنّ ) وقدّمت اللام ؟ قيل : لفساد ذلك من أوجه : أحدها أنّ اللام لو تقدّمت وتأخرت ( إنّ ) لم يجز أن تنصب ( إنّ ) اسمها الذي من عادتها نصبه ، من قبل أن لام الابتداء إذا لقيت الاسم المبتدأ قوّت سببه ، وحمت من العوامل جانبه ، فكان يلزمك أن ترفعه فتقول : لزيد إنّ قائم ، ولم يكن إلى نصب ( زيد ) - وفيه لام الابتداء - سبيل . ومنها أنك لو تكلّفت نصب زيد - وقد أخّرت عنه ( إنّ ) - لأعملت ( إنّ ) فيما قبلها ، وإنّ لا تعمل أبدا إلا فيما بعدها . ومنها أنّ ( إنّ ) عاملة واللام غير عاملة ، والمبتدأ لا يكون إلا اسما ، وخبره قد يكون جملة وفعلا وظرفا وحرفا ، فجعلت اللام فيه لأنها غير عاملة ، ومنعت منه ( إن ) لأنها لا تعمل في الفعل ولا في الجملة كلّها النصب ، إنما تعمله في أحد جزأيها ، ولا تعمل أيضا في الظرف ، ولا في حرف الجرّ . ويدلّ على أنّ موضع اللام في خبر ( إنّ ) أوّل الجملة قبل ( إن ) أنّ العرب لمّا جفا عليها اجتماع هذين الحرفين قبلوا الهمزة هاء ليزول لفظ ( إنّ ) فيزول أيضا ما كان مستكرها من ذلك ، فقالوا ( لهنّك قائم ) أي لئنّك قائم . وعليه قوله - فيما رويناه عن محمد بن سلمة عن أبي العباس - :